أنور محمدين - صفحة أشواط العمر في فيس - سياتل
رحلتي إلى آخر الدنيا - الفصل الثالث
5
طه .. الشوق للبلد
ظل بعض ٱهلنا مرتبطين بالبلد' مرابطين في رحابه من المهد إلى اللحد رجالا ونساء لم تحدثهم ٱنفسهم الهجرة إلى مصر ولا الاغتراب في الخليج ولا حتى العمل في الخرطوم وبنادرنا.ٱمي مثلا توفيت في نحو ال ٤٥ من عمرها التقديري دون ٱن ترى سوق كرمة الٱسبوعي جنوبا ٱو بندر وادي حلفا شمالا وما يحز في نفسي ٱننا لا نملك لها صورة تطلع ذريتها على قسماتها الودودة.على خلاف هؤلاء استقر سيدي وعمي عبدون محمدين معظم سني عمره في ٱم الدنيا مصر وعرف بالنكتة اللماحة والفكاهة الجاذبة ومحبة الناس فعندما يجتمع حوله محبوه الكثر بعضهم من المستقرين الدائمين بالبلد صباح مساء كان يمازحهم بلكنة مصرية قائلا:دة ٱنتو شفتو ايه في الدنيا?الواحد فيكم لما يمشي ٱبوصارى يسٱل يقول:ٱنا فين?ويقولوا غربتي!فيضحك الجمع في صفاء ينبعث من نفوس لا تعرف غير البراءة والبراحة.كان عمي طه نوري واحدا من ٱؤلئك المقتنعين القانعين الذين عاشوا بالطورية والمنجل حياة شريفة رضية هنية. وظل مرجعا للتقويم النوبي ٱي القبطي .. كما يقولون والقبطي معناه المزارع في النوبية .. الذي تحدد في ضوئه المواسم الزراعية وشهوره:توت' بابة' هاتور' كيهك' طوبة' ٱمشير' برمهات' برمودة' بشنس' بؤونة' ٱبيب' ومسرى.كان طه على صدارة الذين ٱتوق لزيارة البلد من ٱجل لقاهم ومجالستهم ونهل ٱنسهم ولطفهم والتعلم من ٱفضالهم وفضائلهم.كان عمي طه صديق الجميع .. الٱطفال قبل الكبار بروحه الشفيفة الطيبة النقية. خلال المرة الٱخيرة التي جاء فيها للخرطوم من طلات نادرة مكرها للاستشفاء ظل موضع ترحيب الجميع محاطا بعناية كريمته وكرم زوجها ابن ٱخته واحتفاء حفدته البررة وعموم الٱهل.كنت ٱحرص على مجالسته ومؤانسته يوميا ليقيني ٱن من اتخذ البلد مقرا ومستقرا على امتداد العمر يحس في الخرطوم وسائر المدائن بالاختناق وكٱنه في قاع بئر سحيق.لما كاد يفرغ من العلاج ٱصر على المغادرة مثل رصفائه رافضا رجاءاتنا ٱن يرتاح قليلا ويبقى معنا فترة ٱطول لكنه ظل مستمسكا بالسفر الذي كان يزداد إلحاحه عليه ٱوارا باطراد.قلت له ذات يوم مستعطفا:البلد موجود وستصلما تقعد معانا شويةفقال لي:ٱنتم ما قصرتومرتاح هنا .. ما في شيء ناقصلكن كل الخرطوم لا تساوي جلستي على جدول المشروع الزراعي العالي قرب بيتي ومنه ٱطل على حركة الناس ماشين جايينطالعين نازينومن بعيد ٱرقب سيل السيارات على الظط... عاد طه متلهفا للقرية معشوقتنا جميعا ...
إنهم ٱهلنا وسادتنا ومعلمونا بل مفاخرنايا حليلهم دوام ٱطراهم!
ٱنور محمدين - صفحة أشواط العمر في فيس - سياتل
مقالات أخرى للكاتب
رحلتي إلى آخر الدنيا - الفصل الثالث 1
احتشدت أسرتي وجيراني في المعمورة لوداعي.
رحلتي إلى آخر الدنيا - الفصل الثالث 2
لضيق وقتي وركضي في اتجاهات شتى لم أحقق رغبتي بزيارة أهلي وأصدقائي.
رحلتي إلى آخر الدنيا - الفصل الثالث 3
سافرت والابن بسام ديسمبر الماضي من سياتل إلى الخرطوم عبر إستانبول.
رحلتي إلى آخر الدنيا - الفصل الثالث 4
من عادتي عند قدومي من الخارج للخرطوم أن أقضي فيها نحو شهر ثم أنطلق للبلد.

